الشهيد الثاني
57
حقائق الإيمان
فهذه [ الآيات ] قد اشتركت في التوبيخ على اتباع الظن ، والإيمان لا يوبخ من حصل له بالاجماع ، فلا يكون ظنا . ومنها : قوله " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " ( 1 ) فنفى عنهم الريب ، فيكون الثابت هو اليقين . إن قلت : هذه الآية الكريمة لا تدل على المدعى بل على خلافه ، وهو عدم اعتبار اليقين في الإيمان ، وذلك أنها إنما دلت على حصر الإيمان فيما عدا الشك ، فيصدق الإيمان على الظن قلت : الظن في معرض الريب ، لأن النقيض مجوز فيه ويقوى بأدنى تشكيك ، فصاحبه لا يخلو من ريب ، حيث أنه دائما يجوز النقيض ، على أن الريب قد يطلق على ما هو أعم من الشك ، يقال : لا ارتاب في كذا . ويريد أنه منه على يقين ، وهذا شائع ذائع . ومن السنة المطهرة قوله عليه السلام : " يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك " فلو لم يكن ثبات القلب شرطا في الإيمان لما طلبه عليه السلام ، والثبات هو الجزم والمطابقة ، والظن لا ثبات فيه ، إذ يجوز ارتفاعه . وفيه منع كون الثبات شرطا في تحقيق الإيمان ، ويجوز ( 2 ) أن يكون عليه السلام طلبه لكونه الفرد الأكمل ، وهو لا نزاع فيه . ومن جملة الدلائل على ذلك أيضا الإجماع ، حيث ادعى بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالى التي لا يتحقق الإيمان بها إلا بالدليل إجماعا من العلماء كافة ، والدليل ما أفاد العلم والظن لا يفيده ، وفي صحة دعوى الإجماع بحث ، لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الأصولية ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى .
--> ( 1 ) سورة الحجرات : 15 . ( 2 ) في ( ط ) : ولم لا يجوز .